الشيخ محمد النهاوندي
334
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ دفع سبحانه توهّم أنّ عدم سؤالهم لعلّه لعدم رؤيتهم أو عدم معرفة بعضهم بعضا بقوله : يُبَصَّرُونَهُمْ ويعرفونهم ، فيعرف الرجل أباه وابنه وأخاه وعشيرته - وقيل : إنّ الملائكة يعرفونهم - ومع ذلك لا يسألهم لاشتغالهم بما هم فيه « 1 » . عن ابن عباس : يتعارفون ساعة ثمّ يتناكرون « 2 » . بل من شدّة عذاب ذلك اليوم يَوَدُّ الْمُجْرِمُ ويشتاق الكافر والعاصي لَوْ يَفْتَدِي ويحفظ نفسه مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ الذي ابتلي به بِبَنِيهِ وأولاده الذكور الذين هم أعزّ الأنفس عنده وَصاحِبَتِهِ وزوجته المحبوبة عنده وَأَخِيهِ الذي كان ظهره ومعينه في الشدائد وَفَصِيلَتِهِ وأقاربه الَّتِي كانت تُؤْوِيهِ وتضمّه إلى نفسه ، وتحفظه في الدنيا بحقّ القرابة والمحبة من الشدائد ، كالآباء والأعمام والأخوال وغيرهم وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الجنّ والإنس جَمِيعاً لو كانوا تحت يديه وفي سلطانه ثُمَّ يُنْجِيهِ ذلك الافتداء . كَلَّا وهيهات أنّ الافتداء ينجيه من النار التي وصفها اللّه سبحانه بقوله : إِنَّها لَظى ولهب خالص لا يخالطه دخان وقيل : إنّ اللّظى علم للنار أو للدّرك الثاني من جهنّم « 3 » ، وهي نَزَّاعَةً وجذّابة لِلشَّوى والأعضاء الواقعة في أطراف الجسد وقلّاعه لها بقوّة الاحتراق وشدّة الحرارة ، أو نزّاعة للجلود الرؤوس وتقشيرها عنه . قيل : لا تترك جلدا ولا لحما ولا عصبا إلّا أحرقته « 4 » . تَدْعُوا وتجلب إلى نفسها كالمغناطيس الذي يجلب الحديد ، أو تهلك مَنْ أَدْبَرَ عن التوحيد والحقّ وأعرض عنه وَتَوَلَّى عن طاعة ربّه ورسوله ، واستنكف عنه ، وتلتقطهم كما يلتقط الطير الحبّ . وقيل : إنّ المراد جلب زبانية النار بحذف المضاف « 5 » . وَجَمَعَ المال حرصا وحبّا للدنيا فَأَوْعى وكنز لطول الأمل ، ولم يؤدّ زكاته وحقوقه الواجبة فيه ، وتشاغل به عن الدين ، وتكبّر على الفقراء باقتنائه « 6 » . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 19 إلى 34 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 29 ) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 31 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 32 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 )
--> ( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 160 ( 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 161 . ( 4 ) . تفسير الرازي 30 : 128 . ( 5 ) . تفسير الرازي 30 : 128 . ( 6 ) . في النسخة : باقتنامه ، وما أثبتناه من تفسير روح البيان 10 : 162 .